صلح الحديبية

بحث عن صلح الحديبية وموقع صلحها

الحديبية: بالتصغير – هي بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء مخففة أو مشددة على خلاف: فأهل العراق على تخفيفها، ونقله النووي عن الشافعي وأهل اللغة، وبعض أهل الحديث.

وقال أبو جعفر النحاس: سألت كل من لقيت ممن وثقت بعمله من أهل العربية عن الحديبية فلم يختلفوا على أنها مخففة. وقال أحمد بن يحيى: لا يجوز غير التخفيف.

وأهل المدينة يثقلونها، وكذلك أكثر الفقهاء والمحدثين. وقال النووي: ;وهما وجهان مشهوران:. وقال ابن حجر: والحديبية بالتخفيف والتثقيل لغتان.[1]

وهي اسم بئر تقع على بعد اثنين وعشرين كيلاً إلى الشمال الغربي من مكة وتعرف الآن بالشميسي، وفيها حدائق الحديبية ومسجد الرضوان. وأطرافها تدخل في حدود الحرم المكي ومعظمها من الحِلِّ خارجه. وقد سميت الغزوة بها لأن قريشاً منعت المسلمين من دخول مكة وهم في الحديبية[2].

ووقعت غزوة الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، وكان من أمرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنّه دخل مكّة، وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فاستبشروا به، وفرحوا فرحا عظيما، وقد طال عهدهم بمكّة والكعبة التي رضعوا لبان حبّها، ودانوا بتعظيمها، وما زادهم الإسلام إلّا ارتباطا بها وشوقا إليها، وقد تاقت نفوسهم إلى الطواف حولها، وتطلّعت إليه تطلّعا شديدًا.

وكان المهاجرون أشدّهم حنينا إلى مكّة، فقد ولدوا ونشؤوا فيها وأحبّوها حبا شديدا، وقد حيل بينهم وبينها، فلمّا أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، لم يشكّوا أنّ هذه الرؤيا تتفسّر هذا العام، وقد صادف كلّ ذلك رغبة شديدة في نفوسهم، وأثار كامن الشّوق ودفين الحبّ فتهيّؤوا للخروج مع رسول الله eلم يتخلّف منهم إلا نادر.[3]

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه عينا له من خزاعة – هو بسر بن سفيان الخزاعي- يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عسفان[4] أتاه عينه فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش[5]، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، وأن خالد بن الوليد خرج بخيلهم إلى كراع الغميم- على بعد 64 كيلاً عن مكة- طليعة. فاستشار النبي أصحابه في أن يغير على ديار الذين ناصروا قريشاً واجتمعوا معها ليدعوا قريشاً ويعودوا للدفاع عن ديارهم، فقال: ;أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عيناً من المشركين وإلا تركناهم محروبين؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامراً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله:.[6]  فمضوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: ;إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين:، فغير الرسول صلى الله عليه وسلم طريق جيشه تجنبا للقتال مع خالد بن الوليد وخيالة المشركين، فلما أحس خالد بذلك رجع إلى مكة وأعلن قريشًا بأن جيش الإسلام وصل إلى الغميم. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا اقترب من الحديبية بركت به صلى الله عليه وسلم راحلته، فقال الناس: حل حل. فألحت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ;ما خلأت القصواء[7] وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل:. ثم قال: ;والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها:، ثم زجرها فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.[8]

وساطة بديل بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش:

فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ في رجال من خزاعة، فكلّمه، وسأله ما الذي جاء به؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّا لم نجىء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وأنّ قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم، ويخلّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فعلوا، وإلّا فقد جمّوا، وإن أبوا إلا القتال، فو الذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري حتّى تنفرد سالفتي، أو لينفذنّ الله أمره. فانطلق بديل حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه شىء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. فحدثهم بما قال النبى صلى الله عليه وسلم. فقام عروة بن مسعود الثقفيّ وقال: إنّ هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: ائته، وجاء عروة بن مسعود الثقفيّ، فكلّمه رسول الله e وجعل عروة يرمق أصحاب رسول الله e فما تنخم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها جلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك: على كسرى وقيصر والنجاشيّ، والله ما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا، ووصف لهم ما رآه، وقد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها[9].

بيعة الرضوان:

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لقريش أنه لا يريد حرب أحد، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه، وقد سعى لبيان موقفه أمام الناس جميعاً، فأرسل رسله تترى إلى قريش يعلنون مقصدهم، فأرسل خراش بن أمية الخزاعي وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأرسلت قريش فصيلة من الجيش للهجوم على المسلمين فأخذوا أخذًا فأتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم، وخلى سبيلهم ، وفي ذلك أنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 24].[10]

ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطّاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله! إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان، فإنّ عشيرته بها، وإنّه مبلغ ما أردت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان وأرسله إلى قريش، وقال: أخبرهم أنّا لم نأت لقتال وإنّما جئنا عمّارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالا بمكّة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم، ويبشّرهم بالفتح، ويخبرهم أنّ الله عزّ وجلّ مظهر دينه حتى لا يستخفى فيها بالإيمان. فذهب عثمان إلى قريش، فأجاره أبان بن سعيد بن العاص حتى أبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سمحت له قريش بالطواف فأبى أن يسبق الرسول e بالطواف، وقد أخَّرته قريش، وشاع بين المسلمين خبر مقتله أو اعتقاله من قبل قريش، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة تحت شجرة سمرة فبايعوه جميعاً سوى الجد بن قيس- وكان منافقاً – على ألا يفروا، وأول من بادر إلى البيعة أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي. ثم تتابع الأصحاب، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]، وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على موقف الصحابة ومبادرتهم إلى البيعة، فقال: ;أنتم خير أهل الأرض:[11]. وقال: ;لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها:[12]. ولما كان عثمان محبوساً في قريش فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: ;هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان:[13]. فعد في المبايعين تحت الشجرة، ولكن عثمان رجع إلى المسلمين بعد بيعة الرضوان مباشرة، وعرف أن هذا الخبر لم يكن صحيحًا.

خوف قريش وإرسال الرسل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:

ولما بلغ قريشا خبر البيعة خافوا، وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين. وفى هذه البيعة نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10].

فأرسلت عدداً من الرسل للتفاوض، أولهم عروة بن مسعود الثقفي، وقد لاحظ تعظيم المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم وحبهم له وتفانيهم في طاعته.

ثم أرسلت قريش الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم  مقبلاً طلب من أصحابه أن يظهروا أمامه الإبل المشعرة، وأن يلبوا أمامه لأنه من قوم يعظمون ذلك، فلما رأى ذلك رجع إلى قريش، فقال: ;رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت:[14]. فقالوا: أجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك[15].

ثم أرسلت قريش مكرز بن حفص وأعقبته بسهيل بن عمرو فقال النبي صلى الله عليه وسلم متفائلاً: ;لقد سهل لكم أمركم:[16]. وقال: ;لقد أراد القوم الصلح حيث بعثوا هذا الرجل:[17]، وكانت قريش قد ألزمت سهيل بن عمرو ألا يكون في صلحه إلا أن يرجع المسلمون دون عمرة في ذلك العام. وقد جرت مفاوضة طويلة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو وانتهت إلى عقد صلح الحديبية، وتم الاتفاق على عدة شروط.[18]

كتابة الصلح:

فاستدعى النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا بتدوين الشرود وبنود المعاهدة، وقال: ;اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: فقال سهيل: أمّا ;الرّحمن: فو الله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: «باسمك اللهمّ» كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها، إلّا ;بسم الله الرحمن الرحيم:، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ;اكتب باسمك اللهمّ:. ثمّ قال: ;اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله: فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ;إنّي رسول الله وإن كذّبتموني، اكتب محمد بن عبد الله:، فأمر عليّا أن يمحوها، فقال عليّ: لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ;أرني مكانها: فأراه مكانها، فمحاها.[19]

قال الحافظ[20]: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي فادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة وأن الذي قاله مخالف القرآن، فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48]، وبعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى، وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، انتهى.

أجيب بأن نسبة الكتابة إليه صلى الله عليه وسلم نسبة مجازية، بمعنى أنه أمر بالكتابة ولم يباشرها ومثل هذه النسبة كثير، وهذا التأويل أولى لموافقته ما ورد في القرآن من تلقيبه e أميًّا، وقوله صلى الله عليه وسلم:” إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب”[21]. وما الحافظ إلى حمل حديث الباب على الظاهر، وذلك بأنه صلى الله عليه وسلم على كونه أميًّا كتب في ذلك الوقت بخصوصه معجزة له .[22]

بنود الصلح:

1 – أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من عامه، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثة أيام فقط، معهم سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا تتعرض قريش لهم بأي نوع من أنواع التعرض.

2 – يكون الصلح لمدة عشر سنوات يسمح للجانبين بحرية التنقل، ويأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض.

3 – من شاء من القبائل أن ينضم إلى قريش فله ذلك ومن شاء أن ينضم إلى المسلمين فله ذلك، وينطبق هذا أيضا على القبائل المعاهدة.

4 – من أتى النبي مسلمًا من قريش، فعلى النبي أن يرده إذا ما طلبته قريش، ولكن إذا ترك أحد الإسلام وانضم إلى قريش، لا تعيده قريش.

فلمّا رأى المسلمون ما رأوه من الصلح والرجوع، وما تحمّل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه، دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتّى كادوا يهلكون، ووقع ذلك من نفوسهم كلّ موقع، ويحكي عمر بن الخطاب مجيئه إلى رسول الله e غاضبًا عند كتابة ذلك الصلح، قال: فأتيت نبي الله e فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: ;بلى:، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: ;إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري:، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: ;بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟:، قال: قلت: لا، قال: ;فإنك آتيه ومطوف به:، وأتى عمر أبا بكر وقالله مثل ما قال للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو بكر: إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق.[23] قال الزهري: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق، من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً.[24]

مجيء أبي جندل ورده إلى قريش:

ولكن ما أن عقد هذا الشرط وكتب المعاهدة ولم يكد الطرفان يوقعانها حتى دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو وكان قد أسلم في مكة، فأسرته قريش وحبسته فوجد فرصة للهرب فهرب وهو يرسف في أغلاله حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. فقال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما لقيت؟! وكان قد عذب في الله عذابا شديدًا، وردّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزاد ذلك الناس إلى ما بهم، وعندئذ لم يزد النبي عن قوله له: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم، قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، ويدني قائم السيف منه، يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية.[25]

تحلل الرسول من الإحرام وأمره المسلمين بذلك:

فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ;قوموا فانحروا ثم احلقوا:، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك، اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا، فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمًّا.[26]

ثمّ رجع إلى المدينة، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الفتح: 1- 3]. فأرسل إلى عمر، فأقرأه إياه، فقال عمر متعجبًا: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: ;نعم:، فطابت نفسه ورجع.[27] وفي رواية: ;نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح:[28]. فانقلبت كآبة المسلمين وحزنهم إلى فرح غامر، وأدركوا أنهم لا يمكن أن يحيطوا بالأسباب والنتائج، وأن التسليم لأمر الله ورسوله فيه كل الخير لهم ولدعوة الإسلام.[29]

كيف تحوّل الصلح إلى الفتح والنصر؟

قال السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي: ودلّت الحوادث الأخيرة على أنّ صلح الحديبية الذي تنازل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبول كلّ ما ألحّت عليه قريش، ورأوا فيه انتصارا لهم ومكسبا، وتحمّله المسلمون في قوّة إيمانهم، وشدّة طاعتهم للرسول، كان فتح باب جديد لانتصار الإسلام، وانتشاره في جزيرة العرب بسرعة لم تسبق، وكان بابا إلى فتح مكّة، ودعوة ملوك العالم كقيصر وكسرى والمقوقس والنجاشيّ وأمراء العرب، وصدق الله العظيم: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

كان من مكاسب هذا الصّلح اعتراف قريش بمكانة المسلمين، وتسليمهم لهم كفريق قويّ كريم، تبرم معه المعاهدات، ويتّفق معه على مفاوضات، ثمّ كان من أفضل ثمار هذا الصلح الهدنة، التي استراح فيها المسلمون عن الحروب التي لا أوّل لها ولا آخر، والتي شغلتهم واستهلكت قوّتهم، فاستطاعوا في هذه الفترة السلمية، أن يقوموا بدعوة الإسلام، في ظلّ الأمن والسلام، وفي جوّ من الهدوء والسكينة.

وأتاح هذا الصلح الفرصة للمسلمين والمشركين على السواء لأن يختلطوا بعضهم ببعض، فيطلع المشركون على محاسن الإسلام، وما صنع من عجائب ومعجزات في تهذيب الأخلاق، وتزكية النفوس، وتطهير العقول والقلوب، من ألواث الشرك والوثنية، والعداء والخصومة، والضراوة بالدماء، والولوع بالحرب في بني جلدتهم الذين لا يختلفون عنهم في نسب وبيئة ولغة.

ولم يخف عليهم- رغم عنادهم وجحودهم- أن تعاليم الإسلام وحدها وصحبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم هي التي ميّزتهم عن أقرانهم وبني أعمامهم، وجعلت منهم أمة غير أمة، ونمطا من أنماط البشرية غير النمط القديم، فكان في ذلك باعث قويّ على تفهّم الإسلام والاعتراف بتأثيره.

فلم يمض على هذا الصّلح عام كامل حتّى دخل في الإسلام من العرب أكثر من الذين دخلوا فيه خلال خمس عشرة سنة- ومكّة لم تفتح بعد-، انتهى.[30]

ولما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، وكانت العرب من غير قريش فى البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب فى البوادي. قال الله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1، 2].[31]


[1] انظر: ;معجم البلدان: (2/229)، و;تهذيب الأسماء واللغات: (1/2: 81)،  و;تاج العروس: (1/204 – 205)، و;الروض الأنف: (6/475)، و;المصباح المنير: (1/170)، و;فتح الباري: (7/439)، و;مرويات غزوة الحديبية: (ص: 18).

[2] ;السيرة النبوية الصحيحة:، د/ أكرم ضياء العمري (2/ 434).

[3] ;السيرة النبوية: لأبي الحسن الندوي (ص: 377).

[4] موضع بين مكة والمدينة.

[5] الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة.

[6] ;صحيح البخاري: (4178). وانظر ;زاد المعاد: (3/257) و;السيرة النبوية الصحيحة:، د/ أكرم ضياء العمري (2/436).

[7] اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصواء: الناقة التي قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم قصواء، وإنما كان هذا لقبا لها .

[8] انظر: ;زاد المعاد: (3/257) و;السيرة النبوية: لابن هشام (3/339) و;السيرة النبوية الصحيحة:، د/ أكرم ضياء العمري (2/436)، و;شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: (3/ 176). و;السيرة النبوية: لأبي الحسن الندوي (ص: 378).

[9] انظر: ;زاد المعاد: (3/358) و;المواهب اللدنية: (1/319) و;السيرة النبوية: لابن هشام (3/340).

[10] انظر: ;السيرة النبوية: لابن هشام (3/343)، و;السيرة النبوية الصحيحة:، د/ أكرم ضياء العمري (2/439).

[11] ;صحيح البخاري: (4154).

[12] ;صحيح مسلم: (2496).

[13] ;صحيح البخاري: (3698).

[14] ;صحيح البخاري: (2731).

[15] ;مسند أحمد: (4/ 323).

[16] ;صحيح البخاري: (2731).

[17] ;مسند أحمد: (4/ 323).

[18] انظر: ;السيرة النبوية الصحيحة:، د/ أكرم ضياء العمري (2/ 439) و;رحمة للعالمين: (ص: 199)، و;فتح الباري: (6/ 118).

[19] ;صحيح مسلم: (1783). وانظر: ;السيرة النبوية: لأبي الحسن الندوي (ص: 378).

[20] ;فتح الباري: (7/ 503).

[21] ;صحيح البخاري: (3/ 28)، و;صحيح مسلم: (1080).

[22] راجع ;فتح الملهم: (9/149).

[23] ;صحيح البخاري: (3/ 193).

[24] ;سيرة ابن هشام: (3/346).

[25] انظر: ;زاد المعاد: (3/262)، و;رحمة للعالمين: (ص: 200)، و;السيرة النبوية: لابن هشام (3/347).

[26] ;صحيح البخاري: (2731).

[27] انظر: ;زاد المعاد: (3/263) و;سيرة ابن هشام: (2/320)، و;صحيح البخاري: (3182)، و;صحيح مسلم: (1785).

[28] ;المستدرك على الصحيحين: للحاكم (2/ 498)، و;سنن أبي داود: (2736)، و;مسند أحمد: (3/420).

[29] ;السيرة النبوية الصحيحة:، د/ أكرم ضياء العمري (2/449).

[30] ;السيرة النبوية: لأبي الحسن الندوي (ص: 385).

[31] ;المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: (1/ 326).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *