حجة الوداع

حجة الوداع- حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم

حجة الوداع[1]

      لا شك أن دعائم الإسلام وشرائعه قد استقرت وبيّنها النبي بقوله وعمله، وأضحت الجزيرة العربية مؤمنة موحّدة، وتم ما أراده الله سبحانه وتعالى، من تطهير بيته من الرجس والأوثان، ولم يبق من أصول الإسلام ما هو في حاجة إلى البيان القولي والعملي من النبي صلى الله عليه وسلم إلا الحج، وقد مهّد الصديق الأكبر سنة تسع للنبي أن يحج بالناس ليوقفهم على مناسكه كما شرعه الله من لدن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولينفي عن الحج ما شابه من بدع ومستحدثات، وقد توجد هذا المعنى جلياً في قوله صلى الله عليه وسلم: «كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم».[2]  وقوله في هذه الحجة وهو يرمي جمرة العقبة: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»[3].

فرضية الحج

      وقد ذكر العلماء بأن الحج قد فرض في السنة العاشرة من الهجرة، أو التاسعة أو السادسة وقيل: قبل الهجرة، ولكن قال ابن القيم: قد فرض الحج في العام العاشر لقوة الأدلة على ذلك وهو اللائق بهديه في عدم تأخير ما هو فرض، بأن الله يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]  وقد نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع.[4]

حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وبعدها

      قد حج النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة حججاً، كما ورد في رواية الترمذي وابن ماجه عن جابر[5] قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج حجتين قبل أن يهاجر، وروى والحاكم في المستدرك[6] بسند صحيح عن سفيان قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر حججاً، قال الحافظ[7] في الفتح: وهو مبني أي حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرةعلى عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، فإنهم قدموا أولا فتواعدوا، ثم قدموا ثانيا فبايعوا البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثا، فبايعوا البيعة الثانية.

      وأما بعد الهجرة فلم يحج الرسول صلى الله عليه وسلم غير حجته التي كانت في العام العاشر، وعرفت هذه الحجة بحجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع، لأنه عليه الصلاة والسلام ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وحجة البلاغ لأنه عليه السلام بلغ الناس شرع الله في الحج قولاً وعملاً.

الأذان بالحج

      ولم يكد يحل شهر ذي القعدة من العام العاشر من الهجرة حتى أخذ رسول الله في التجهز للحج، وأذّن في الناس بذلك، وأمرهم بالتجهز، فتجهز الناس للخروج معه صلى الله عليه وسلم.

      وسمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحجّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، فكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله مدّ البصر.[8]

خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة

      وفي يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد أن صلى الظهر بالمدينة أربعا[9]، ومعه أكثر من مائة ألف حاج، وكانت نساؤه صلى الله عليه وسلم كلهن معه في الهوادج، وقد استخلف عليها أبا دجانة، وقيل: سباع بن عرفطة[10].

وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة

      وبعدما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة[11] صلى العصر هناك العصر ركعتين، ثم بات هناك حتي أصبح، وصلى بها المغرب، والعشاء، والصبح، والظهر، فصلى بها أي في ذي الحليفة خمس صلوات، [12]، فلما أصبح اغتسل للإحرام، وتطيّب ولبّد[13]  رأسه.

إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته

      وكان رسول الله قد ساق معه الهدي، قيل: مائة، وقيل دون ذلك، فأشعر واحدة منها وقلّدها نعلين، وتولى إشعار الباقي وتقليده غيره، وبعد ما صلى الظهر في مسجد ذي الحليفة صلى ركعتين للإحرام، ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه وقرن بينهما، ثم ركب ناقته (القصواء) وأهلّ بالحج قائلا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك»[14]، ولما أشرفت ناقته على البيداء أدخل العمرة على الحج قائلا: «لبيك بعمرة وحجة»، وأما المسلمون فمنهم من أحرم بحج، ومنهم من أحرم بعمرة، ومنهم من أحرم بعمرة وحج معا.[15]

نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف[16] وذي طوى[17]

      هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق إلى مكة والناس معه يزيدون وينقصون، وهو يقرهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته حتى وصل وصل إلى سرف،  ونزل بها، فقال لأصحابه: “من لم يكن منكم معه هدي، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا”[18]، ثم نهض إلى أن وصل بـ ذي طوى وبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ثم نهض إلى مكة نهارا من أعلاها من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء صبيحة يوم الأحد، ونزل بالمسلمين بظاهر مكة عند الحجون[19].

دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة

      ودخلت هذه الجموع الحاشدة مكة المكرمة، فلما عاين الرسول البيت قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً، وتكريماً ومهابةً وبِرًّا، وزد من حجّه أو اعتمره تكريما وتشريفا، وتعظيما وبرا».

الطواف بالبيت

      ولمّا دخل المسجد عمد إلى البيت، فلمّا حاذى الحجر الأسود، استلمه، ولم يزاحم عليه، ثمّ أخذ عن يمينه، وجعل البيت عن يساره، ورمل في طوافه هذا ثلاثة الأشواط الأول، وكان يسرع في مشيه، ويقارب بين خطاه، واضطبع بردائه، فجعله على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الآخر ومنكبه، وكلّما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، واستلمه بمحجنه وأمرهم أن يضطبعوا ويرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى، ويمشوا على هيئتهم في الأربعة الباقية.[20]

      فلمّا فرغ من طوافه، جاء إلى خلف المقام، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125] فصلّى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، قرأ فيهما بعد الفاتحة بـ {قل ياأيها الكافرون}، و {قل هو الله أحد}، فلمّا فرغ من صلاته، أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه.[21]

سعي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة:

      ثم خرج من باب بني مخزوم إلى الصفا وهو يقرأ قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الاية، سورة البقرة آية (159)، وقال: «أبدأ بما بدأ الله به» فصعد عليه حتى عاين البيت فاستقبله قائلا: «لا إله إلا الله واحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم لأحزاب واحده»، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل يمشي إلى المروة حتى إذا انصبت[22] قدماه في بطن الوادي رمل، وقال لأصحابه: “لا يقطع الوادي إلا شدا[23] “، وقال أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي” ثم نزل إلى المروة، ثم رجع إلى الصفا وهكذا حتى أتم سبعة أشواط.

       فلما فرغ من السعي بينهما أمر أصحابه بأن من لم يكن معه هدي فليجعل حجه عمرة وليتحلل منها، فتباطأ بعض الصحابة في ذلك تأسفا على عدم الاقتداء به، فطيب خاطرهم، وبين لهم السبب في عدم تحلله فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» فحلّ الناس كلهم وقصّروا، ولم يبق محرما إلا النبي ومن ساق معه الهدي.

إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة:

      بعد ما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من طوافه بين الصفا والمروة، وأمرِه أصحابَه بفسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي نزل بالأبطح شرقي مكة، فأقام هناك بقية يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء يصلي بأصحابه، ولم يعد إلى الكعبة من تلك الأيام كلها.[24]

الخروج إلى منى

      وفي يوم الخميس الثامن من ذي الحجة، ويقال له: يوم التروية، توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين إلى منى بعد أن أحرم بالحج الذين كانوا قد تحلّلوا من عمرتهم من الأبطح، وساروا حتى جاؤوا منى، فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى نزل هناك، وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قصرا ركعتين، وبات بمنى تلك الليلة، وكانت ليلة الجمعة، وصلى بها الصبح، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس.[25]

إلى عرفات

      فلمّا طلعت الشمس من يوم الجمعة خرج النبي صلى الله عليه وسلم قاصداً عرفات، وأمر أن تضرب له قبة من بنمرة[26] فسار رسول الله ولا تشك قريش إلا أنه سيقف بالمشعر الحرام[27] كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، ولكن النبي أخلف ظنهم، وسار حتى أتى عرفات ائتماراً بأمر الله في قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ، فوجد القبة قد ضربت، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس ركب ناقته (القصواء) حتى أتى بطن الوادي (وادي عرنة) ، وهنالك خطب خطبته المشهورة الجامعة، قرر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرّر فيها تحريم المحرّمات التي اتّفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع ربا الجاهلية كلّه، وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرا، وذكر الحقّ الذي لهنّ وعليهنّ، وأنّ الواجب لهنّ الرزق والكسوة بالمعروف.

  وأوصى الأمّة فيها بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنّهم لن يضلّوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبر أنّهم مسؤولون عنه، واستنطقهم بماذا يقولون وبماذا يشهدون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فرفع إصبعه إلى السّماء واستشهد الله عليهم ثلاث مرّات، وأمرهم أن يبلّغ شاهدهم غائبهم.[28]

      وبعد أن فرغ رسول الله من هذه الخطبة الجامعة أذّن بلال ثم أقام فصلى النبي بالناس الظهر، ثم أقام فصلّى بهم العصر، جامعا بينهما جمع تقديم، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب ناقته حتى جاء الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة فوقف عندها مستقبلا القبلة، حتى غربت الشمس، وقال: «وقفت ههنا وعرفات كلها موقف»، وأكثر من الدعاء لأمته في هذا اليوم العظيم يوم عرفة، وكان يوم الجمعة.[29]

إفاضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة

      فلمّا غربت الشمس، أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، وهو يشير إلى الناس قائلا: «السكينة، السكينة، ليس البر بالإيضاع»[30] حتى أتى إلى «المزدلفة»،[31] فصلّى بها المغرب والعشاء جامعا بينهما جمع تأخير بأذان وإقامتين ولم يتنفل بينهما، ثم اضطجع صلى الله عليه وسلم حتى صلّى الفجر، ثم ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، ودعا الله وأكثر من الدعاء وهلّل، وكبّر، وما زال واقفا حتى أسفر الصبح جدا.[32]

الرجوع إلى منى ورمي الجمار والنحر الحلق

      ثم دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى قبل أن تطلع الشمس، مردفاً وراءه الفضل بن العباس، حتى أتى وادي محسّر[33] فأسرع بدابته، ثم قصد إلى الجمرة الكبرى «جمرة العقبة» فرماها بسبع حصيات صغار يكبر عند كل حصاة منها[34]، ثم فرغ من الرمي ورجع إلى منى فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكّة على جميع البلاد، وأمر بالسّمع والطّاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفارا، يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه، وقال في خطبته تلك:

        «اعبدوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربّكم» ، وودّع الناس حينئذ فقالوا: «حجّة الوداع».[35]

        ثم انصرف إلى المنحر بمنى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وقال: «نحرت ههنا ومنى كلها منحر» ونحر سيدنا علي الباقي وهي تمام المائة، ثم أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة[36] ، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها. [37]

ثم حلق صلى الله عليه وسلم شعره والصحابة مطيفون به، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد واحد منهم[38]، وبذلك أحلّ صلى الله عليه وسلم ولبس ثيابه وتطيب قبل أن يطوف بالبيت،[39] والمسلمون جميعا يقتدون به في كل ما يصنع من المناسك، ثم أمر عليا أن يتصدق بلحوم البدن وجلودها وجلالها، ففعل.

إفاضته صلى الله عليه وسلم بالبيت

      ثم ركب صلى الله عليه وسلم حتى جاء البيت ليطوف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج بالإجماع، فطاف طواف الإفاضة على راحلته كي يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس غشوه[40]، وكان يستلم الركن بمحجنه،[41] كلما أتى عليه أشار إليه به وكبر وصلّى بمكة الظهر، ولم يسع بين الصفا والمروة.[42]، ثم أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زمزم وبنو عبد المطلب يسقون، فقال صلى الله عليه وسلم: “انزعوا[43] بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم”،[44]  ثم ناولوه دلوا فشرب منه.

إقامته صلى الله عليه وسلم بمنى

      ثم رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى منى من يومه ذلك، فنزل حيث المسجد الموجود اليوم فيما يقال، وأنزل المهاجرين عن يمينه، والأنصار عن يساره، والناس حولهم من بعدهم. فصلى الظهر بها، ركعتين،[45] وقيل: صلاها بمكة،[46] ومكث -صلى الله عليه وسلم- بمنى أيام التشريق الثلاثة. يرمي الجمرات في كل يوم إذا زاغت الشمس، فيبدأ بالجمرة الأولى، ثمّ الوسطى، ثمّ الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، وكان يرمي كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الجمرة الأولى والوسطى مستقبل القبلة، فيطيل القيام، ويرفع يديه يدعو، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها، ثم يرجع فيصلي الظهر ركعتين. [47]

      وخلال إقامته -صلى الله عليه وسلم- بمنى أيام التشريق لم يذهب إلى المسجد الحرام، بل بقي في منى إلى حين الوداع، وهذا هو الصحيح.[48] وفي هذه المدة يصلّي بأصحابه ويقصر الرباعية، ولم يرخص إلا لعمّه العباس وأعوانه بالمبيت بمكة لأجل السقاية.[49] وخطب لناس خطبة، وكانت خطبته في هذا اليوم تشبه خطبته يوم النحر.

إفاضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى ونزوله المحصب

      وفي اليوم الثالث من أيام التشريق، وكان يوم ثلاثاء ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فنفر بهم من من وذلك بعد الزوال، فأفاض إلى المحصب، وهو الأبطح، وهو خيف[50] بني كنانة، وأقام بالمحصب بقية يومه ذلك وليلته، وصلّى بالناس الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وهجع هجعة استراح فيها من العناء.[51]

طواف الوداع والرجوع إلى المدينة

       وبعد ذلك أذّن النبي في المسلمين بالرحيل،وأمرهم أن لا ينصرفوا إلى بلادهم حتى يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت[52]، فارتحل فطاف بالبيت طواف الوداع سحراً قبل صلاة الصبح، ولم يرمل في هذا الطواف،[53] وصلّى بهم الصبح عند الكعبة، ثم خرجوا من البلد الحرام من الثنية[54] السفلى ثنية كدي[55]، راجعين إلى البلد الطيب (المدينة) وهم يكبّرون ويهلّلون ويقولون: ايبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده.[56]


الحواشي

[1] قال الحافظ في الفتح (4/ 152): الحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: القصد إلى بيت الله الحرام بأعمال مخصوصة. . . ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر.

[2] سنن أبي داود (1919)، وسنن النسائي (3014).

[3] صحيح مسلم (1297).

[4] انظر زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 520).

[5] سنن الترمذي (826)، وسنن ابن ماجه (3076).

[6] المستدرك على الصحيحين (4439).

[7] انظر فتح الباري (8/440).

[8] انظر السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (2/463)، والسيرة النبوية لأبي الحسن علي الندوي (ص: 386)

[9] انظر صحيح البخاري (1546)، وصحيح مسلم (690).

[10] انظر سيرة ابن هشام (4/ 257)

[11] هو موضع على ستة أميال من المدينة وهو ميقات أهلها.

[12] انظر صحيح البخاري (1546).

[13] التلبيد: دهن الرأس بشيء لزج كصمغ مثلا، حتى لا يتشعث ولا يتولّد به هوام.

[14] انظر صحيح البخاري (1549).

[15] انظر السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (2/464)

[16] سرف: بفتح السين وكسر الراء: موضع على عشرة أميال من مكة. انظر النهاية (2/ 326).

[17] طوى: بفحم الطاء وفتح الواو المخففة، موضع عند باب مكة. انظر النهاية (3/ 133).

[18] انظر صحيح البخاري (1560).

[19] الحجون: بفتح الحاء وضم الجيم هو الجبل المطل على المسجد الحرام، وهناك مقبرة أهل مكة، وانظر صحيح البخاري (1576، 1577).

[20] انظر السيرة النبوية لأبي الحسن علي الندوي (ص: 387).

[21] انظر صحيح مسلم (1218).

[22] انصبت: أي انحدرت في المسعى. انظر النهاية (3/ 4).

[23] شدا: أي عدوا. انظر جامع الأصول (3/ 189).

[24] انظر صحيح البخاري (1625)، وفي هذا المعنى روى الإمام أحمد في مسنده (2700)، والحاكم في المستدرك (1738).

[25] انظر صحيح البخاري (3944).

[26] نمرة بفتح النون وكسر الميم موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات.

[27] جبل بالمزدلفة يسمى قزح.

[28] انظر السيرة النبوية لأبي الحسن علي الندوي (ص: 388).

[29] السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (2/ 574).

[30] الإيضاع: الإسراع.

[31] مكان معروف سميت بهذا لأن الناس يزدلفون أي يقتربون فيها إلى الله بالدعاء.

[32] انظر صحيح البخاري (1672).

[33] محسر: بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة.

[34] انظر صحيح مسلم (1297، 1298).

[35] انظر السيرة النبوية لأبي الحسن علي الندوي (ص: 519).

[36] بضعة بفتح الباء: أي قطعة.

[37] انظر صحيح مسلم (1218).

[38] انظر صحيح مسلم (2325).

[39] انظر صحيح البخاري (1539).

[40] قال النووي في شرح مسلم (9/ 17): غشوه: أي ازدحموا عليه.

[41] المحجن: عصا معقفة الرأس. انظر النهاية (1/ 335).

[42] انظر صحيح البخاري (1607).

[43] انزعوا: بكسر الزاي أي استقوا من زمزم الماء باليد، يقال: نزعت الدلو أنزعها نزعا: إذا أخرجتها. انظر النهاية (5/ 35).

[44] قال النووي في شرح مسلم (8/ 159): معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج، ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستسقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستسقاء.

[45] انظر صحيح البخاري (1732).

[46] انظر صحيح مسلم (1218).

[47] انظر صحيح البخاري (1750، 1751).

[48] انظر زاد المعاد (2/284).

[49] انظر صحيح البخاري (1745).

[50] الخيف: بفتح الخاء وسكون الياء: ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل، ومسجد منى يسمى مسجد الخيف؛ لأنه في سفح الجبل. انظر النهاية (2/ 88).

[51] انظر صحيح البخاري (1590)، وصحيح مسلم (1313).

[52] انظر صحيح البخاري (1755)، وصحيح مسلم (1327).

[53] انظر صحيح البخاري (1560)، وصحيح مسلم (1211).

[54] الثنية: هي الطريق العالي في الجبل. انظر النهاية (1/ 220).

[55] كدي: بضم الكاف، وهي الثنية السفلى مما يلي باب العمرة. انظر النهاية (4/ 136).

[56] انظر صحيح البخاري (1576)، وصحيح مسلم (1257)