الأخلاقُ ميزانُ رقيِ الأمم

الأخلاقُ ميزانُ رقيِ الأمم

الإعداد: محمد هاشم القاسمي البستوي

الحمدُ للهِ الذي جعلَ الأخلاقَ وعاءَ الدين، وميزانَ الثقلِ يومَ الدين، والصلاةُ والسلامُ على من كانَ خُلقُهُ القرآن، نبينا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِه الكرام.

أما بعد..رئيس الحفل المجل، حضرات الحكم، وإخواني البررة! إنَّ سؤالَ النهضةِ الذي حيَّر العقولَ، وأرّقَ الدول، إجابتُه ليست في خزائنِ الذهب، ولا في آبارِ النفط، بل إجابتُه في القيم. إن موضوعنا اليوم هو الأخلاقُ ميزانُ رقيِ الأمم؛ فبها تَسُودُ الشعوب، وبضياعها تندثرُ الحضارات، مهما بلغتْ من القوةِ والعمران.”

أيها الإخوة! إن الإسلامَ لم ينظرْ للأخلاقِ على أنها تحسينياتٌ أو ترف، بل جعلها العمودَ الفقريَ لبناءِ الدولة. تأملوا معي أولَ خطابٍ سياسيٍ في الإسلام، حينما وقفَ سيدنا جعفرُ بنُ أبي طالب -رضي الله عنه- أمامَ النجاشي ليعرضَ عليه قضيةَ الإسلام، لم يتحدثْ عن عددِ الركعات، بل تحدثَ عن المنظومةِ الأخلاقية التي تبني الأمم، فقال:  أيها الملك.. كنا قوماً أهلَ جاهلية.. حتى بعثَ اللهُ إلينا رسولاً نعرفُ نسبَه وصدقَه وأمانتَه وعفافَه.. فأمرنا بصدقِ الحديث، وأداءِ الأمانة، وصلةِ الرحم، وحسنِ الجوار.

هذه هي أسسُ الحضارة: الصدق، الأمانة، الترابط الاجتماعي. فالدولةُ التي يكذبُ إعلامُها، ويخونُ مسؤولُها، ويتقاطعُ أفرادُها، هي دولةٌ تحملُ بذورَ فنائها في داخلها، ولو ناطحَ بنيانُها السحاب.

أيها الحفل الكريم! إن الأخلاقَ ليست رداءً نرتديه في المناسبات، بل هي الروحُ التي تسري في جسدِ المجتمع. لقد ربطَ الإسلامُ بين الإيمانِ وحسنِ الخلقِ ربطًا وثيقًا، ففي الحديث الشريف: “أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا”. فالإيمانُ بلا خُلقٍ شجرةٌ بلا ثمر، والعبادةُ بلا أدبٍ جسدٌ بلا روح. وقد صدق حافظ إبراهيم حين وصفَ النفوسَ الزكيةَ قائلًا:

إِنّي لَتُطرِبُني الخِلالُ كَريمَةً … طَرَبَ الغَريبِ بِأَوبَةٍ وَتَلاقي

وَتَهُزُّني ذِكرى المُروءَةِ وَالنَدى … بَينَ الشَمائِلِ هِزَّةَ المُشتاقِ

أيها السادة! وإذا نظرنا في ميزانِ الشرع، نجدُ أن العباداتِ الشعائريةَ (من صلاةٍ وصيام) هي تمارينُ روحيةٌ لتوليدِ الطاقةِ الأخلاقية. يقولُ الله تعالى عن الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. فإذا صليتَ ولم تنتهِ عن ظلمِ الناس، فصلاتُك جسدٌ بلا روح.

وقد ضربَ النبيُ ﷺ مثلًا مرعبًا عن الإفلاسِ الحقيقي، حين سأل الصحابة: أتدرون من المفلس؟. ثم بيّن لهم أن المفلسَ ليس من فقدَ المال، بل: من يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي وقد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا.. فيُؤخذُ من حسناتهِ.. ثم يُطرحُ في النار.

إذن، العبادةُ علاقةٌ بينك وبينَ الله، أما الأخلاقُ فهي علاقةٌ بينك وبينَ الخلق، واللهُ يُسامحُ في حقِه، ولا يُسامحُ في حقوقِ العباد. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ … ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ

أيها الحضور! إن مأساتنا اليوم ليست في قلةِ المساجد، ولا في ندرةِ المصاحف، بل مأساتُنا هي الفصامُ النكد بين ما نؤمنُ به وبين ما نمارسُه. نرى في بعضِ الأممِ الماديةِ صدقًا في الحديث، وإتقانًا في العمل، واحترامًا للمواعيد -وهي من صميمِ ديننا- فتقدموا دنيويًا. ونرى في مجتمعاتنا غشًا، ومحسوبيةً، وإخلافًا للوعد، فتأخرنا رغمَ أننا حملةُ الوحي!

إن الرقيَ الحقيقيَ هو أن يتحولَ الإسلامُ من نصوصٍ في الكتبِ إلى سلوكٍ يمشي في الأسواق. الرقيُ هو أن يأمنكَ الناس، وأن يثقوا بكلمتك، وأن يرحمَ قويُّنا ضعيفَنا. يقول النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». هذه هي معادلة الرقي: رحمةٌ في الأرض تستوجبُ توفيقًا من السماء.”

أيها الإخوة! انظروا في صفحاتِ التاريخ، ستجدون أن الأممَ العظيمةَ لم تسقط بقلةِ جيوشها، بل بفسادِ أخلاقها. فإذا ضاعت الأمانة، وانتشر الكذب، وساد الغش، فقد كُتب على الأمةِ الفناء.

وهنا يحضرنا البيتُ الخالد لأمير الشعراء أحمد شوقي، الذي يختصرُ فلسفةَ نهوضِ الأمم وسقوطها في سطرين:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ … فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

صَلاحُ أَمْرِكَ لِلأَخْلاقِ مَرْجِعُهُ … فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالأَخْلاقِ تَسْتَقِمِ

فالرقيُ الماديُ مهما بلغَ ذروته، يظلُ أعرجَ إذا لم تسندهُ أخلاقٌ قويمةٌ تضبطُ مساره.

ختامًا.. اعلموا أن التاريخَ لا يرحم، وأن سننَ اللهِ لا تحابي أحدًا. إذا أردنا لهذه الأمةِ أن تنهضَ من كبوتها، وتستعيدَ ريادتَها، فلا طريقَ إلا العودةُ لمكارمِ الأخلاق، لا شعاراً نرفعه، بل واقعاً نعيشه. إن طريقنا للرقي يبدأُ بالاقتداءِ بسيدِ الخلق ﷺ الذي زكاهُ ربُه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فلنكن دعاةً بأخلاقنا قبل ألسنتنا، ولنجعل من تعاملنا رسالةً صامتةً تدعو للخير.

فلنبدأ بأنفسنا، ولنُربي أبناءنا على أن الدينَ هو المعاملة، وأن المسلمَ من سلمَ الناسُ من لسانِه ويده.

أختمُ بقولِ الشاعرِ الذي يصفُ حالَ صاحبِ المروءة:

أقبل على النفسِ واستكمل فضائلَها … فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ

اللهم اهدنا لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسنِها إلا أنت، واصرفْ عنا سيئَها لا يصرفُ عنا سيئَها إلا أنت.

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم.

Join our list

Subscribe to our mailing list and get interesting stuff and updates to your email inbox.

Thank you for subscribing.

Something went wrong.

Leave a Reply