الإسلام دين الرحمة والتسامح

الإسلام دين الرحمة والتسامح

الإسلام دين الرحمة  والتسامح

الإعداد: محمد هاشم القاسمي البستوي

الحمد لله الذي جعل الإسلامَ شريعةً ومنهاجاً، وجعل الرحمةَ فيه روحاً وسراجاً. الحمد لله الذي سبقت رحمتُه غضبَه، ووسعت مغفرتُه خلقَه، والصلاةُ والسلامُ الأتمان الأكملان، الأزكيان الأعطران، على سيد ولد عدنان، المبعوثِ بالرحمةِ المهداة، والنعمةِ المسداة، سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله الأطهار، وصحابتهِ الأخيار، أهلِ الفضلِ والإيثار، ومن تبعهم بإحسانٍ ما تعاقب الليل والنهار.

سيدي رئيسَ الحفل الموقر، حضرات الحكم، مشايخي العلماء الأجلاء، إخواني الحضور الكرام! سلامُ الله عليكم ورحمتُه وبركاتُه.

إننا نجتمعُ اليوم في هذا المحفلِ البهيج، وفي هذا العرسِ الثقافي المنيع، لنجلوَ الغبارَ عن حقيقةٍ ناصعة، ولنؤكدَ على قضيةٍ جامعة، ألا وهي قضيةُ “الإسلام دين الرحمة  والتسامح” في دين الله الحنيف. في زمنٍ تعالت فيه أصواتُ الكراهيةِ والبغضاء، وسادت فيه لغةُ العنفِ والجفاء، يأتي صوتُ الإسلامِ ندياً رقيقاً، ليملأ الأكوانَ أمناً وسلاماً، وحباً ووئاماً.

أيها السادة! إن الإسلام لم ينتشر بحد السيف كما يزعم المفترون، ولم يملك القلوب بالقهر والجبروت، وإنما ملكها بالكلمة الطيبة، وبالخلق الحسن، وبالرحمة المهداة. لقد لخص الله جل جلاله رسالة نبيه الخاتم ﷺ في آية موجزة جامعة، فقال عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. تأملوا (للعالمين).. لم يقل للمسلمين فحسب، بل شملت رحمته الإنسَ والجان، والحيوانَ والنبات، والمؤمنَ والكافر، والبرَّ والفاجر. والطير والشجر، والمؤالف والمخالف. إنها رحمةٌ عامةٌ تامة، لا تعرفُ التمييزَ ولا الإقصاء.

أيها الحفل الكريم:  ولم يقف الأمرُ عند هذا الحد، بل بيّن اللهُ تعالى أن الدعوةَ إلى سبيله لا تكون إلا بـ اللينِ والرفق، لا بـ الشدةِ والعنف، فقال واصفاً نبيه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. فالفظاظةُ وغلظةُ القلب تُنفرُ الطباع، وتُبعدُ الأتباع، أما الرحمةُ فهي المغناطيسُ الذي يجذبُ القلوب، ويأسرُ الأرواح.

أيها الإخوة الأحباب: ومن رحمِ هذه الرحمة، يولدُ “التسامح”. التسامحُ الذي يعني سعةَ الصدر، واحتمالَ الأذى، ومقابلةَ الإساءةِ بالإحسان. قد يظنُ البعضُ أن القوةَ في البطش، وأن العزةَ في الانتقام، ولكن القرآنَ يصححُ هذا المفهوم، فيرشدنا إلى أن ندفعَ السيئةَ بالتي هي أحسن، لنقلبَ العداوةَ إلى صداقة، والبغضاءَ إلى محبة. يقول الحقُّ جل جلاله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].

وحتى مع غير المسلمين، أمرنا الله بالبر والإقساط ما داموا مسالمين، فقال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. فالإسلامُ دينُ العدلِ والإحسان، لا دينُ الظلمِ والطغيان.

أيها الإخوة: إن المتأمل في سيرة نبينا ﷺ يجدها سلسلة ذهبية من مواقف العفو والصفح. ولقد جسّد النبيُّ ﷺ هذه المعاني  من الرحمة والتسامح  واقعاً يمشي على الأرض. هل تذكرون حلمه ﷺ؟ هل تذكرون عفوه؟ عندما قيل له يا رسول الله، ادعُ على المشركين الذين آذوك، قال كلمته المشهورة: “إني لم أُبعث لعّانًا، وإنما بُعثت رحمة ” رواه مسلم.  هل تذكرون يوم فتح مكة؟ يوم تمكن النبي ﷺ من رقاب الذين آذوه، وطردوه، وشتموه، وحاربوه.. وقفت قريش ترتجف، تظن أن السيوف ستعمل في رقابها. فماذا قال نبي الرحمة؟ هل انتقم؟ هل ثأر لنفسه؟ كلا وحاشا.. بل نظر إليهم بعين الشفقة وقال كلمته الخالدة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». هذا هو الإسلام.. قوةٌ تَلين، وقدرةٌ تعفو.

وفي هذا المعنى يقول الشاعر واصفاً عفوه ﷺ:

وإِذا عَفَوتَ فَقادِرًا ومُقَدَّرًا   لا يَستَهينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ

وإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ   هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ

أيها الحضور المبارك: إن الرحمة في ديننا ليست شعاراً يرفع، بل هي عمل يطبق. اسمعوا إلى توجيه النبي ﷺ الذي يربط رحمة السماء برحمة الأرض، حيث يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [رواه الترمذي].

أيها الحضور الكريم: إننا اليومَ بحاجةٍ ماسةٍ إلى أن نُحييَ هذه المعاني في نفوسنا.

فلنكن رحماءَ في بيوتنا، رفقاءَ بأزواجنا وأولادنا.

ولنكن متسامحين في مجتمعاتنا، نعفو عمن زلّ، ونصفحُ عمن أخطأ.

ولنكن دعاةَ خير للبشرية جمعاء.

تذكروا دائماً حديثَ النبي ﷺ الذي يربطُ الأرضَ بالسماء بحبل الرحمة: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». فمن لا يَرحم لا يُرحم، ومن لا يغفر لا يُغفر له.

أسألُ اللهَ العليَّ القدير، في هذا المقامِ المبارك، أن يملأ قلوبنا رحمةً ونوراً، وأن يطهرها من الحقدِ والزور، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. شكر الله لكم حسنَ استماعكم، وجميلَ إصغائكم، وبارك الله في جمعكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Join our list

Subscribe to our mailing list and get interesting stuff and updates to your email inbox.

Thank you for subscribing.

Something went wrong.

Leave a Reply