دور الشباب في نهضة الأمة

دور الشباب في نهضة الأمة

دور الشباب في نهضة الأمة

الإعداد: محمد هاشم القاسمي البستوي

الحمدُ للهِ الذي جعلَ القوةَ بعدَ الضعف، ثم جعلَ من بعدِ القوةِ ضعفاً وشيبة، والصلاةُ والسلامُ على من نصرَهُ الشبابُ حينَ خذلَهُ الشيوخ، وعلى آلهِ وصحبِه الذين كانوا في ميعةِ الصبا جبالاً في العزم، ورهباناً في الليل، وفرساناً في الحرب.

أما بعد، أيها الحفلُ الكريم، ولجنةَ التحكيمِ الموقرة! إنَّ حديثي إليكم اليومَ ليس حديثاً عابراً، بل هو حديثٌ عن الدماءِ الحارة التي تجري في عروقِ الأمة، حديثٌ عن القوةِ الدافعة، والوقودِ المحرك لمركبةِ الحضارة. حديثي عن دور الشباب في نهضة الأمة. فإذا كانت الأمةُ جسداً، فالشبابُ قلبُها النابض. وإذا كانت الأمةُ بناءً، فالشبابُ أعمدتُه الراسخة. ما قامت حضارةٌ، ولا رُفعت رايةٌ، ولا انتصرت عقيدةٌ عبرَ التاريخِ إلا وعلى أكتافِ وسواعدِ الشباب.”

أيها الإخوة! حينما أرادَ اللهُ أن يضربَ مثلاً في الثباتِ على الحقِ وتغييرِ الواقعِ الفاسد، لم يضربْه بشيوخٍ كبار، بل بفتيةٍ صغار، فقال سبحانه عن أصحابِ الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾وحينما ذكرَ من حطَّمَ الأصنامَ وغيرَ الموازين، قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.

يا معشر الشباب! تصفحوا معي سجلاتِ السيرةِ النبويةِ العطرة: من كانَ أولَ سفيرٍ في الإسلامِ فتحَ المدينةَ بالقرآنِ قبلَ السيف؟ إنه مُصعبُ بنُ عمير، شابٌ في ريعانِ الشباب. من كانَ قائدَ جيشِ المسلمينَ المتجهِ لغزوِ أعظمِ إمبراطوريةٍ الروم، وتحتَ لواءِه كبارُ الصحابةِ كأبي بكرٍ وعمر؟ إنه أسامةُ بنُ زيد، لم يتجاوزِ الثامنةَ عشرةَ من عمرِه! من نامَ في فراشِ النبي ﷺ ليلةَ الهجرةِ مُقدماً روحه فداءً؟ إنه الشاب عليُ بنُ أبي طالب. من جمعَ القرآنَ وحفظَ للأمةِ دستورَها؟ إنه الشاب زيدُ بنُ ثابت.

هؤلاء لم يكونوا شباباً ضائعينَ في أروقةِ اللهو، بل كانوا كما قال الشاعر:

شَبَابٌ ذَلَّلُوا سُبُلَ المَعَالِي … وَمَا عَرَفُوا سِوَى الإِسْلامِ دِينَا

تَعَهَّدَهُمْ فَبَتَّلَهُمْ نُسُـوكاً … وَشَحَّذَهُمْ فَفَجَّرَهُمْ عُيُـونَا

أيها الشبابُ الحاضرون! إنَّ الأمةَ اليومَ لا تنقصُها الأعداد، فنحنُ غثاءٌ كغثاءِ السيل، ولكن ينقصُها أصحابُ الهمم. أعداءُ الأمةِ أدركوا أنَّ قوةَ الإسلامِ في شبابِه، فسلطوا عليهم سيلَ الشهوات، وأغرقوهم في بحرِ التفاهات. أرادوا شباباً همُّه تسريحةُ شعرِه، ونوعُ هاتفِه، ومتابعةُ المشاهيرِ التافهين. يريدونَ شباباً مائعاً، لا يحملُ هماً، ولا يرفعُ رأساً.

أيها السادة! ولكنَّ الأمةَ تنتظرُ منكم غيرَ هذا! تنتظرُ شباباً يملكونَ عقليةَ الإتقان وروحَ المسؤولية. النهضةُ يا سادة لا تُبنى بالأماني، بل تُبنى بالعلمِ والعمل. النهضةُ تحتاجُ المهندسَ البارع، والطبيبَ الماهر، والعالمَ الرباني، والجنديَ المقدام. الشبابُ هو مرحلةُ العطاء، ولذلك خصها النبيُ ﷺ بالمسؤوليةِ يومَ القيامةِ حين قال: لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربع.. وعن شبابِه فيما أبلاه. لماذا خصَّ الشبابَ بالذكرِ مع أنه جزءٌ من العمر؟ لأنها مرحلةُ القوةِ والحيوية، فإياكَ أن تبليَ شبابَك في المقاهي وعلى الأرصفة، والأمةُ تنزف!”

يا معشرَ الشباب! إنَّ طريقَ النهضةِ يبدأُ من الداخل. يبدأُ حينما تتحررُ من قيودِ اليأس، وتؤمنُ بأنكَ رقمٌ صعبٌ في معادلةِ الحياة. خذوا الكتابَ بقوة، تسلحوا بالعلمِ فهو السلاحُ الذي لا يُفل. كونوا كما أرادكم النبيُ ﷺ، الذي قال لابنِ عباسٍ وهو غلام: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك.

إنَّ التاريخَ لا يكتبُه الخاملون، والمجدَ لا يبنيهِ الكسالى. انظروا إلى محمدِ الفاتح، شابٌ في مقتبلِ العمر، حققَ بشارةَ النبيِ ﷺ وفتحَ القسطنطينية، لأنه كان يبيتُ ويصبحُ وحلمُ الفتحِ يملأُ كيانَه. يقول الشاعر محمود سامي البارودي موصياً أهلَ العزم:

بَادِرِ الفُرْصَةَ وَاحْذَرْ فَوتَهَا … فَبُلُوغُ العِزِّ فِي نَيْلِ الفُرَصْ

وَاغْتَنِمْ عُمْرَكَ إِبَّانَ الصِّبَا … فَهُوَ إِنْ زَادَ مَعَ الشَّيْبِ نَقَصْ

وختاماً.. أقولُ لكلِ شابٍ يسمعُني: أنتَ لستَ مجردَ فرد، أنتَ أمةٌ في رجل. لا تحقرنَّ من نفسِك، فمعظمُ النارِ من مستصغرِ الشرر. انهضْ بهمتِك، ونافسْ الأممَ بعلمِك وأخلاقِك. اجعلْ لكَ بصمةً في هذهِ الحياةِ قبلَ الرحيل. فالأمةُ التي شبابُها يتمسكونَ بالمصحفِ بيد، وبالعلمِ باليدِ الأخرى، هي أمةٌ لا تموت، ولا تشيخ، ولا تُهزم. أختمُ بأبياتِ الشاعرِ القروي الذي يبعثُ الأملَ في النفوس:

إِيهِ يَا قَوْمِي شَبَاباً وَكُهُولاً … إِنَّ فِي قُوَّةِ يُمْنَاكُمْ أمَلْ

حَقِّقُوا بِالجِدِّ مَا نَصْبُو إِلَيْهِ … وَاعْقِدُوا الخِنْصِرَ مِنَّا بِالأُوَلْ

اللهم أصلح شبابَ المسلمين، اللهم اجعلهم عدةً للنهوض، ومشاعلَ للنور. اللهم حبب إليهم الإيمانَ وزينه في قلوبِهم، وكره إليهم الكفرَ والفسوقَ والعصيان، واجعلهم من الراشدين. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Join our list

Subscribe to our mailing list and get interesting stuff and updates to your email inbox.

Thank you for subscribing.

Something went wrong.

Leave a Reply