Ghazwatu Muta

غزوة مؤتة دروس وعبر -السيرة النبوية

موقع غزوة مؤتة

مؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، وقيل: موتة من مشارف الشام وبها كانت تطبع السيوف وإليها تنسب المشرفية من السيوف.[1] وهي تقع في الديار الأردنية- شرقي الأردن- على مسيرة أحد عشر كيلا جنوب الكرك. وقعت بها المعركة المشهورة – أي: غزوة مؤتة – سنة 8 هـ، وهي الآن قرية عامرة بالسكان،  وبالقرب منها قرية “المزار”: تضم قبور الشهداء في غزوة مؤتة وهم: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة وغيرهم.[2]

سبب غزوة مؤتة:

وكان سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً إلى عظيم بصرى[3] أو قيصر الروم مع الحارث بن عمير، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني[4] فقال: أين تريد؟ قال: الشام قال: لعلك من رسل محمد، قال: نعم، أنا رسول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأوثق رباطاً ثم قدمه فضرب عنقه صبراً، ولم يقتل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول غيره.[5]

أمراء الجيش ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم  للأمراء:

فلما بلغ رسول الله ذلك اشتدّ الأمر عليه، فجهز جمعا من أصحابه وبعثهم إلى مقاتلة ملك الروم، وكان قوام الجيش الذي خرج في هذه الغزوة ثلاثة آلاف مقاتل، وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال: ;إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس:[6]. وفي رواية: ;فإن أصيب ابن رواحة فليرتض المسلمون برجل منهم فليجعلوه عليهم:[7].

وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم  لواء أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة رضي الله عنه، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير ويدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله تبارك وتعالى وقاتلوهم.

توديع الجيش ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم  لهم:

ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج ودعهم الناس وقالوا لهم: صحبكم الله، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيعًا لهم حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف فقال: ;أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرًا، اغزوا باسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة، ولا صغيرًا ولا كبيراً فانياً، ولا تقطعوا شجرة، ولا تهدموا بناء:، فمضوا حتى نزلوا من أرض الشام؛ فبلغهم أن هرقل ملك الروم في مائة ألف من الروم وانضم إليه من قبائل العرب من بني بكر ولخم وجذام مائة ألف. وفي رواية: كانوا مائتي ألف من الروم وخمسين ألفا من العرب ومعهم من الخيول والسلاح ما ليس مع المسلمين وكان المسلمون ثلاثة آلاف.

من هم القادة الثلاثة الذين استشهدوا في غزوة مؤتة؟

 فلما بلغهم ذلك أقاموا في ذلك المحل ليلتين، فتفاوض رجال الجيش فيما يفعلونه: أيرسلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم  يطلبون منه مددا أم يقدمون على الحرب؟ فشجعهم عبد الله بن رواحة، وقال لهم: يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له، خرجتم تطلبون الشهادة ونحن ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة، فمضوا للقتال، فلقيتهم جموع هرقل ملك الروم من الروم والعرب، فانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الجمعان عندها واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة رضي الله عنه  حتى استشهد.

فأخذ الراية جعفر t وكان على فرس له شقراء، فنزل عنها وعقرها، وتقدم يقاتل وهو يحمل اللواء ويقول:

يا حبذا الجنة واقترابها              طيبة وباردا شرابها

والروم روم قد دنا عذابها          كافرة بعيدة أنسابها

عليّ إن لاقيتها ضرابها

ثم قاتل فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره، فاحتضن الراية فأخذ الراية وقاتل حتى استشهد رضي الله عنه.

فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم ثم تردد بعض التردّد، فقال يخاطب نفسه:

أقسمت يا نفـس لتنـزلنّه              طائعة أو لتكـرهنّـه

إن أجلب الناس وشدّوا الرّنّة               مالي أراك تكرهين الجنّة

قد طالما قد كنت مطمئنّة                هل أنت إلّا نطفة في شنّه؟

ثم اقتحم بفرسه المعمعة، ولم يزل يقاتل رضي الله عنه حتى استشهد، وحينئذ اختلط المسلمون والمشركون. وأراد بعض المسلمين الانهزام فجعل عقبة بن عامر رضي الله عنه  يقول: يا قوم يقتل الإنسان مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا، فتراجعوا واتفقوا على تأمير الشهم الباسل خالد بن الوليد، وبهمّته ومهارته الحربية حمى هذا الجيش من الضياع، فإنه لما أخذ الراية قاتل يومه قتالا شديدا. وفي غده خالف ترتيب العسكر، فجعل الساقة مقدمة، والمقدمة ساقة، والميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، فظن الروم أن المدد جاء للمسلمين فرعبوا. ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع إلى الوراء حتى انحاز إلى مؤتة، ثم مكث يناوش الأعداء سبعة أيام، ثم تحاجز الفريقان لأن الكفّار ظنوا أن الأمداد تتوالى للمسلمين، وخافوا أن يجروهم إلى وسط الصحارى حيث لا يمكنهم التخلّص، وبذلك انقطع القتال، انتهى.[8]

وروى البخاري عن خالد رضي الله عنه  قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية،[9] انتهى.

وأطلع الله سبحانه رسوله على ما جرى فقام على المنبر وقال: ;أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم[10]:.

قال وفي رواية: ;أنه صلى الله عليه وسلم  قال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره، فمن يومئذ سمي خالد سيف الله:[11].

مواساة الرسول صلى الله عليه وسلم لآل جعفر:

قالت أسماء بنت عميس زوج جعفر رضي الله عنه: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم أصيب جعفر وأصحابه، فقال: ائتيني ببني جعفر فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: ;نعم، أصيبوا هذا اليوم:، فقمت أصيح واجتمع عليّ النساء، وجعل رسول الله e يقول لها: ;يا أسماء لا تقولي هجرا ولا تضربي صدرا:، ثم عاج النبي e إلى أهله فقال: ;اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد شغلوا اليوم:.[12] انتهى.

عودة الجيش إلى المدينة:

لما دنا الجيش من حول المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر. فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه. وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، فيقول رسول الله e: ;ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى:.[13]

نتائج غزوة مؤتة:

اضطربت الروايات في نتيجة هذه المعركة، فرأى البعض: أن النصر كان للمسلمين، ورأى البعض الآخر: أنه كان للروم، والفريق الثالث رأى: أن كل فئة انحازت عن الأخرى.

 وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الاختلاف في المراد بقوله صلى الله عليه وسلم  عن خالد رضي الله عنه: ;حتى فتح الله عليه: هل كان هناك قتال فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح انحياز خالد بالمسلمين حتى رجعوا سالمين؟ ثم قال: يمكن الجمع بأن خالدا لما حاز بالمسلمين بات، ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر، وتوهم العدو أنهم قد جاء لهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ، فولوا فلم يتبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى.

وقال الحافظ ابن كثير[14]: وهذا عظيم جدّاً، أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلاً، وقد قتل من المشركين خلق كثير، انتهى.

أثر الغزوة:

وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر الذي عانوا مرارتها لأجله، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، إذ أدهشت العرب كلها بقبائلها، فقد كانت الدولة الرومية أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن قتالها هو القضاء على النفس ، فكان لقاء هذا الجيش الصغير ـ ثلاثة آلاف مقاتل ـ مع ذلك الجيش الكبير ـ مائتا ألف مقاتل ـ ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة كبيرة ، يعد عظيما مما رفع من شأن الدولة الإسلامية.


[1] معجم البلدان (5/220).

[2] ;المعالم الأثيرة في السنة والسيرة: (ص: 237)

[3] بصرى: من أعمال دمشق بالشام، وهي قصبة كورة حوران. (معجم البلدان 1/ 441)

[4] وشرحبيل أحد حكام العرب في المناطق الحدودية لبلاد العرب والشام، وكان عاملا على البلقاء، وكانت هذه الأسرة العربية تدين بالمسيحية منذ زمن، وتحكم البلاد الواقعة على حدود الشام

[5] مختصر تاريخ دمشق (1/ 152)

[6] المعجم الكبير للطبراني (5/ 84، رقم: 4655).

[7] ;دلائل النبوة: للبيهقي (4/ 359).

[8] انظر: ;السيرة الحلبية: (3/ 96)، و;نور اليقين في سيرة سيد المرسلين: (ص: 192).

[9] ;صحيح البخاري (4265).

[10] ;صحيح البخاري: (3757، 4262).

[11] ;مسند أحمد: (5/ 300).

[12] ;مصنف عبد الرزاق: (3/ 550).

[13] ;سيرة ابن هشام: (2/ 382).

[14] ;السيرة النبوية: لابن كثير (3/ 489).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *