مراتب الجرح والتعديل عند الإمام ابن حجر

مراتب الجرح والتعديل عند الإمام ابن حجر العسقلاني

مراتب الجرح والتعديل عند الإمام إبن حجر العسقلاني

محمد شعيب قاسمي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده  وعلى آله الطيبين الطاهرين واصحابه الغر الميامين.

لا يشك عالم من علماء الدين المتين في الحقيقة الجلية بأن خدمة السنة النبوية المطهرة والاشتغال بنشرها هي من أجل الأعمال الصالحة والعلوم النافعة ولذا نجد بأن العلماء في كل زمان قد اعتنوا بعلوم الحديث وألفوا في هذا المجال آلاف من الكتب التي تحافظ على السنة النبوية من حيث نقلها وضبطها وذلك لنيل الفضائل الواردة في كتب الحديث بخصوص حملة السنة النبوية ومحافظيها وكذلك حفظ سنة نبي الله الكريم يستنبط من آية القرآن “أنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” وذلك لأن السنة هي التي تبين وتفسر وتشرح معاني القرآن الكريم كما أشار إلى هذه النقطة الهامة الشيخ محمد عوامة في مقدمة الكتاب الشهير بإسم “تقريب التهذيب” للعلامة إبن حجر العسقلاني رحمهما الله حيث ذكر مانقل الحافظ السخاوي رحمه الله في كتابه “فتح المغيث” أنه قيل للإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: “هذه الأحاديث المصنوعة؟” فقال: “تعيش لها الجهابذة “أنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”.[1]

فنري في التاريخ بأن الجهابذة من المحدثين والعلماء قاموا بصياغة المعيار والميزان الدقيق لمعرفة الصحيح من الضعيف كما بذلوا بكل ما في وسعهم في هذا الفن قديما وحديثا لتأليف الكتب بجميع أنواعها وذلك بهدف تقعيد هذا الفن وتأسيسه فجزاهم الله أحسن الجزاء.

واذا كان الأمر كما ذكر أعلاه فإن حفظ الكتاب والسنة يتطلب حفظ الطرق التي وصل الكتاب والسنة إلينا بها وفي ألفاظ الشيخ عوامة “وحفظ هذه الطرق يكون بنقلها وتدوينها ويكون بدراستها والنظر في رواتها” والعلم الذي يبحث رواة طرق الحديث يسمى بـ”علم الجرح والتعديل”[2] وهو من أهم موضوعات علوم الحديث و بمثابة عماد علوم السنة النبوية المطهرة حيث يتميز به الصحيح من السقيم والمقبول من المردود.

رحم الله تبارك وتعالى هذه الأمة ومن عليها بالحفاظ على السنة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام الأتمان الأكملان حيث قيض لهذه المهة العظيمة رجالا من هذه الأمة اتصفوا بالصدق والورع والأمانة والتقوى والتجنب عن التعصب والذين قاموا بجهود جبارة وما تركوا قمطيرا ونقيرا في سبيل الحفاظ على السنة النبوية المطهرة كما قال الشيخ عوامة: “فشافهوا ورووا ورحلوا وظعنوا وهجروا كل راحة ولذيذة ونقدوا وكشفوا وفتشوا ونقبوا”[3] رحمهم الله واسكنهم فسيح جنانه.

وقد أحسن العلماء قديما وحديثا بتأليف الكتب التي تلقي الضوء على حياة الأئمة الذي يكثرون من الجرح والتعديل وتبين أحوالهم من حيث العلم والعمل والديانة ومكانتهم عند العلماء ودعني اذكر ما قال الشيخ عوامة في هذا الصدد: ” فاذا عرف أنهم اذا ذكر العلم كانت لهم الصدارة فيه وإذا ذكر العمل والتقوى الورع والنسك والديانة ومراقبة الله عزوجل في اقوالهم وافعالهم…رأي في سيرتهم ما يشهد له أنهم ريحانة المتعبدين وياقوتة المتنسكين فحينئد يطمئن الناظر في أقوالهم إليها ويأخذها عنهم بالقبول ويذعن أنهم ما أرادوا بها إلا مرضاة الله عز وجل والحفاظ على كتابه الكريم وسنة نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم”.[4]

من الكتب التي أفردت جزءا منها لترجمة الأئمة المكثرين من الجرح والتعديل  كتاب “الجرح والتعديل” للإمام أبو محمد عبد الرحمن بن الإمام أبي حاتم الرازي (240-327) وكتاب “الكامل في ضعفاء الرجال” للإمام الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (365) وكتاب “مزكي الأخبار” للإمام أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (320-405)، وكتاب “ميزان الاعتدال في نقد الرجال”  لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (673-748)، وكتاب “لسان الميزان” لابن حجر العسقلاني (773-852) وغيرها من الكتب المهمة.

بعد تطوير فن الجرح والتعديل قام بعض الجهابزة من المحدثين بتأليف الكتب الخاصة به مثل الأمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي صاحب كتاب “الكمال في أسماء الرجال” حيث جاء في هذا الكتاب الثمين بذكر رجال الكتب الستة وكذلك الإمام الحافظ الكبير أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي (654-742) الذي صنف “تهذيب الكمال” بعد أن استبانت له أهمية “الكمال في أسماء الرجال” وأبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (673-748) صاحب كتاب “تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال” وكتاب  “الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة” والحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي (689-762) صاحب كتاب “إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال” والإمام إبن حجر العسقلاني الذي لخص كتاب المزي ومغلطائي وسمي الخلاصة بـ “تهذيب التهذيب” وبعد ذلك اختصر هو بنفسه هذا الكتاب وسماه بـ “تقريب التهذيب”.

كما هو من المعلوم بأن علم الجرح والتعديل له موضوعات عديدة ولكن في هذا المقال سالقي الضوء بشكل موجز على “مراتب الجرح والتعديل” عند الإمام العلامة إبن حجر العسقلاني واسأل الله تعالى أن يوفقني بكل ما يحب ويرضى ولكن قبل البدء في هذا الموضوع أريد بيان تعريف علم الجرح والتعديل في اللغة والاصطلاح.

معنى الجرح لغة: الجرح بفتح الجيم هو مصدر “جرح” بفتح الراء ومعناه “شق في بدنه يشق فهو جريح” وجرح فلانا بلسانه يعني عابه فالجرح قد يكون بآلة تؤثر أو باللسان إذا عابه وتنقصه.

معنى الجرح في الاصطلاح: رد الحافظ المتقن رواية الراوي لعلة قادحة فيه أو في روايته من فسق أو تدليس أو كذب أو شذوذ ونحوها.

معنى التعديل لغة: عدل في الحكم أي أقامه وعدل الرجل أو الشاهد أي زكاه.

معنى التعديل في الاصطلاح: ذكر الراوي بصفات تقتضي قبول راويته.

 مراتب الجرح والتعديل عند الإمام العلامة إبن حجر العسقلاني:

بما أن ألفاظ الجرح والتعديل التي يستخدمها النقاد من أئمة الحديث كثيرة ومتفاوتة وذلك بحسب أحوال رواة الحديث الشريف فإن العلماء قاموا بترتيبها في مراتب وقد بدأت أول محاولة في هذه الصدد من قبل الإمام ابن أبي حاتم حيث قام بتوزيع مراتب الجرح والتعديل في أربعة أقسام في كتابه الشهير “الجرح والتعديل” ولكن لم تتوقف هذه العملية عنده بل زاد بعض العلماء الآخرون في قائمة المراتب حتى وصلت إلى اثنتي عشرة مرتبة عند العلامة إبن حجر العسقلاني رحمه الله.

 وفيما يلي ما ذكر العلامة ابن حجر رحمه الله في كتابه “تقريب التهذيب” بخصوص كل مرتبة من مراتب الجرح والتعديل:

فأولها: الصحابة: فأصرح بذلك لشرفهم: أما الصحبة فهي موهبة إلهية وتعديل إلهي قطعي لا يمكن لأحد مهما كانت مرتبته في العلم والتقوى أن يقوم بتعديل صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الثانية: من أكد مدحهإما : بأفعل : كأوثق الناس ، أو بتكرير الصفة لفظا: كثقة ثقة، أو معنى: كثقة حافظ. هذا أرفع مراتب التعديل والاولى عند المحدثين وأحاديث من اتصف بهذه الصفة من الرواة أصح الأحاديث ويدل على المبالغة ويتم التعبير على وزن “افعل” يعني إليه المنتهى التثبت أو يتم التأكيد من خلال إستخدام صفتين من صفات التوثيق.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: الصحيح من الدرجة الأولى

الثالثة: من أفردَ بصفةٍكثقةٍ , أو متقنٍ , أو ثبتٍ , أو عدلٍ. إن هذه المرتبة هي المرتبة الثانية عند المحدثين وتدل على التعديل والتوثيق من غير تأكيد.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: الصحيح من الدرجة الثانية

الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا، وإليه الإشارة : بصدوق ، أو لا بأس به، أو ليس به بأس. تدل هذه المرتبة على التعديل والتوثيق من غير إشعار بالضبط وهي المرتبة الثالثة عند المحدثين.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: الصحيح من الدرجة الثالثة

الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلا، وإليه الإشارة بصدوق سيء الحفظ ، أو صدوق يهم ، أو له أوهام ، أو يخطىء ، أو تغير بأخرة / ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة ، كالتشيع والقدر، والنصب ، والإرجاء، والتهجم ، مع بيان الداعية من غيره. إن هذه المرتبة هي الأولى من مراتب الجرح أو أدنى مراتب التعديل حيث تختلف آراء العلماء في هذا الصدد.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: حسن لذاته من الدرجة الأولى

السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله ، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول ، حيث يتابع ، وإلا فلين الحديث. لا يشك فيه أحد بأن هذه المرتبة هي من مراتب الجرح.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: فيه تفصيل يعني إذا اتصف الراوي بمقبول فيكون حديثه “حسن لذاته من الدرجة الثانية وإذا كان الراوي لين الحديث فيكو حديثه “حسن لذاته من الدرجة الثالثة”.

السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ : مستور ، أو مجهول الحال. إن هذه المرتبة هي من مراتب الجرح.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: يتم التوقف بخصوص حكم أحاديث صاحب هذه المرتبة حتى يستبين حاله فإن توبع أرتقى حديثه إلى “الحسن لغيره من الدرجة الأولى”.

الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إطلاق الضعف ، ولو لم يفسر ، وإليه الإشارة بلفظ : ضعيف. إن هذه المرتبة هي من مراتب الجرح.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: ضعيف فإن توبع أرتقى حديثه إلى “الحسن لغيره من الدرجة الثانية”.

التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق ، وإليه الإشارة بلفظ : مجهول. إن هذه المرتبة هي من مراتب الجرح.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: ضعيف فإن توبع أرتقى حديثه إلى “الحسن لغيره من الدرجة الثالثة”.

العاشرة: من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح ، وإليه الإشارة : بمتروك ، أو متروك الحديث ، أو واهي الحديث ، أو ساقط. إن هذه المرتبة وكذلك المراتبة الآتية هي المراتب التي توجد فيها الضعف الشديد.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: ضعيف جدا

الحادية عشرة: من اتهم بالكذب.هذا يعني اتهم الراوي بالكذب في حديثه مع الناس ولم يثبت كذبه أبدا في حديث الرسول عليه الصلاة والتسليم.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: متروك.

الثانية عشرة: من أطلق عليه اسم الكذاب، الوضاع. هذه أدنى مراتب الجرح ويتصف الراوي بهذه الصفة عندما ثبت بأنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو مرة واحدة.

حكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة: موضوع.

والله الموفق والمستعان

الهوامش


[1] العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر. (1411). تقريب التهذيب، ط3، (3)، سوريا: دار الرشيد

[2] العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر. (1411). تقريب التهذيب، ط3، (3)، سوريا: دار الرشيد

[3] العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر. (1411). تقريب التهذيب، ط3، (3)، سوريا: دار الرشيد

[4] العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر. (1411). تقريب التهذيب، ط3، (3)، سوريا: دار الرشيد

Join our list

Subscribe to our mailing list and get interesting stuff and updates to your email inbox.

Thank you for subscribing.

Something went wrong.

Leave a Reply